مقالات واراء

أبي لن يعود.. حوادث السيارات والسلامة منها

2012.12.10

من أجل السلامة على الطرق
أبي لن يعود.. حوادث السيارات والسلامة منها
عبد الملك القاسم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد:
فهذه ثلاث صور مختصرة أنقلها للقاريء على عجل، فيها نماذج حية لأنفاس مكلومة وأنات مفزوعة! من أمهات وآباء.. وأبناء وزوجات.
الأولى: طفلة صغيرة أوصلها والدها إلى باب المدرسة، وودعت أباها بابتسامة عذبة وبتلويحة من يدها.. ثم لما أتى الظهر فإذا بها عند عتبة الباب تنتظر الساعة والساعتين فلم يأت الأب.. إنما أتى عمها وحملها وهي تتساءل أين أبي! لقد تأخر عليّ حتى أوجست خيفة.
الثانية: امرأة شابة لم يمض على زواجها ست سنوات مع زوج تحبه، فإذا بها تفاجأ أن لديه سفراً في مهمة عمل، تفقدت أمر سفره وقامت بتجهيز مستلزماته، ولم تنس أن تعد له الشاي والقهوة، فسفره عن طريق البر، وتبعته إلى باب البيت مودعة هي وأبناءها.. وكان هذا هو اللقاء الأخير مع والدهم. وكانت تلك هي النظرة الأخيرة نحوه... لقد ترملت الزوجة، وتيتم الأبناء الأربعة، وفقده والده ووالدته وإخوته نتيجة حادث مروري!
الثالثة: شيخ كبير ذو علم وتقى مصل عابد. خرج ذات يوم مسبحاً، ذاكراً الله- عزّ وجلّ- وعندما أراد أن يعبر الطريق فإذا بالموت ينتظره. لقد فجعت فيه الأمة، وبكاه المحراب والكتاب والمنبر.
إنها صور ثلاث سريعة، لواقع نراه ونسمعه..لقد قتلهم شاب متهور، أو رجل لا يقم للطريق حقه، أو مخالف لأنظم السير! من يتحمل وزر هؤلاء؟ ومن للأيتام والأرامل بعد الله- عزّ وجلّ-؟ لقد قُتل الطفل الصغير، والزوج الشاب، والشيخ الكبير، وترملت الزوجة، وتيتم الأطفال، وبكى أهل الحي على الشيخ!، إنها أحزان متواصلة ودموع متتالية في فقد أقارب وفراق أحبة! فمن يبوء بإثم قتلهم وقطعهم عن الحياة!
بإطلالة سريعة على لغة الأرقام نرى أن عدد الحوادث المرورية في المملكة في عام 1420 بلغت أكثر من 772’267 حادث، تُوفّي على أثرها 4848 شخص. أما في عام 1421 فقد زادت الحوادث حتى بلغت 280401 حادث، توفي على أثرها 4419 شخص، وبلغت الإصابات الجسيمة في نفس العام أكثر من 20241 حالة. ولو تأملنا لوجدنا أن هناك شخصاً يتوفى كل ساعتين في موقع الحادث عدا من يتوفون في الطريق إلى المستشفى أو عند دخلوه!
وقد ذكرت المنظمة الدولية للوقاية من حوادث الطرق أن ما يفقد العالم بسبب الحوادث المرورية يصل إلى ستة عشر مليون إصابة منها 000’700 حالة وفاة! أخي السائق:

المسلم مأمور بالمحافظة على نفسه وعلى إخوانه في كل مجال، وإن أزعجتك أرقام الحوادث وكثرتها وتأملت حال المصابين والمتوفين وأهمك الأمر. إليك بعضٌ مما يعينك على السلامة- بإذن الله- ويجنبك شر الحوادث وويلاتها:
1- التزام تقوى الله- عزّ وجلّ- بامتثال أوامره واجتناب نواهيه، فإن التقوى سبب عظيم من أسباب السلامة وتيسير الأمور، قال- تعالى: { ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراًُ } فمن اتقى الله وقاه وحفظه، ومن تعرف على الله في الرخاء عرفه الله في الشدة.
2- التوكل على الله – سبحانه وتعالى- فإن من توكل على الله كفاه، قال- تعالى-: { ومن يتوكل على الله فهو حسبه } [الطلاق: 3] أي كافيه، ومن حسن التوكل الأخذ بالأسباب أيضاً.
3- استشعار حرمة دم المسلم وماله، وربما تقع في ذلك التعدي إذا خالفت التعليمات، فيصيبك الإثم من جراء الضرر الحاصل من قتل مسلم وتيتيم أطفاله وخسارته المادية وغير ذلك.
4- تذكر ما قد ينزل بك من جراء الحوادث من موت أو إصابة أو خسارة سيارتك أو غير ذلك. عندها يدفعك هذا التذكر و التفكر إلى القيادة الآمنة السليمة؛ خوفاً على نفسك وعلى من حولك.
5- العمل بما أرشدنا إليه الكتاب والسنة من الأذكار والأدعية، فعند ركوب السيارة، نحافظ على الدعاء المعروف « الحمد لله، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، سبحانك اللهم إني ظلمت نفسي، فاغفر لي، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت » [رواه أبو داود والترمذي].
وعند السفر: « الله أكبر، الله أكبر، { سبحان الذي سخر لنا هذا وما كُنّا له مقرنين  وإنا إلى ربنا لمنقلبون } [الزخرف: 13]  اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى ومن العمل ما ترضى، اللهم هوّن علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل" وإذا رجع قالهن، وزاد عليهن "آيبون تائبون، عابدون لربنا حامدون » [رواه مسلم].
6- حريُّ بالمسلم الابتعاد في كل حين- وخاصة حال القيادة- عن كل ما يغضب الله- سبحانه- من المعاصي والمحرمات كتعاطي المخدرات بأنواعها، والاستماع إلى الأغاني، وآلات الموسيقى، أو النظر المحرم، فالمعاصي سبب للهالك والدمار { فكُلاًّ أخذنا بذنبه } [العنكبوت: 40].
7- مما يعين على حفظ المسلم كثرة ذكره لله- عزّ وجلّ- ودعائه، فإن ذكر الله- سبحانه وتعالى- من أسباب وقاية الإنسان وحفظه، فقد أرشد الله إلى ذكره في حال القتال مع الأعداء فقال- تعالى: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئةً فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلّكم تفلحون } [الأنفال: 45] فكما أن الذكر سبب من أسباب النصر على الأعداء فهو كذلك سبب من أسباب الوقاية من الحوادث.
8- الالتزام بتعليمات وأنظمة المرور التي وضعت من أجل سلامة الناس ووقايتهم من أخطار السيارات، والحذر من مخالفتها، لما يسببه ذلك من وقوع الحوادث الكثيرة.
9- الالتزام بالسرعة التي حددتها أنظمة المرور داخل المدن وخارجها ففي التأني السلامة وفي العجلة الندامة، والواجب قيادة السيارة بسرعة معقولة لا إفراط فيها ولا تفريط، فلا تكون سرعة عالية لا يستطيع معها السائق تفادي ما يطرأ له في سيره، ولا تكون سرعة بطيئة جداً فيتسبب في وقوع حادث لغيره.
10-الحرص على تفقد السيارة قبل ركوبها والسير بها والتأكد من سلامة محركاتها ووسائل السلامة فيها؛ كالفرامل والإطارات، والأنوار، والإشارات، وإصلاح أي خلل يطرأ عليها، والتأكد من وجود وسائل السلامة بها كطفاية الحريق وغيرها.
11-استشعار نعمة المركبات وأنها قد تتحول إلى نقمة إذا أسيء استخدامها، ولهذا يجب ألا يقود السيارة إلا من يحسن القيادة؛ فإن التفريط في هذا الأمر ضرره كبير جداً.
12-إعطاء الطريق حقه، وعدم أذية المسلمين بالتجاوز أو السرعة أو غيرها، ونرى كثيراً من سائقي السيارات يؤذون المؤمنين ويهددون أرواحهم بسوء استعمال السيارة.
13-الاستفادة من المكوث في السيارة بسماع إذاعة القرآن الكريم أو شريط نافع؛ ليكون مجلسك مجلس ذكر تحفه الملائكة وتغشاه الرحمة، وأنعم بها من طمأنينة وسعادة تعينك على القيادة الآمنة.
14-البعد عن الغضب والشد العصبي وخاصة عند زحام السير أو ما يحصل من مضايقات، جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أوصني، فقال صلى الله عليه وسلم: « لا تغضب » رددها مراراً.
15-تجنب قيادة السيارة أثناء الإرهاق أو التعب النفسي أو الشعور بالنوم، فإن قيادة السيارة عند الإرهاق أو الشعور بالنوم يفقد السائق التركيز والانتباه أثناء القيادة مما يتسبب في وقع الحوادث.
16-مراعاة السائق للظروف الجوية والجغرافية للطرق كالمطر أو انعدام الرؤية بسبب الضباب أو الغبار وعند المرور بالمنحدرات، والمرتفعات، والمنعطفات، فعلى السائق أن يراعي مثل هذه الظروف والأحوال أثناء قيادته للسيارة.
17-المحافظة على صلاة الفجر والعشاء مع الجماعة، لأن من صلى الفجر والعشاء في الجماعة فهو في ذمة الله- عزّ وجلّ- قال صلى الله عليه وسلم: « من صلى الصبح فهو في ذمة الله » [رواه مسلم].
18-الحرص على صلاة الضحى؛ استشعاراً لما في حفظ الله- عزّ وجلّ- لمن أداها. قال الله- تعالى- في الحديث القدسي: « يا ابن آدم، لا تعجز عن أربع ركعات أول النهار أكفك آخره » [رواه أحمد].
19-استعمال حزام الأمان. فقد ثبت بالتجربة العملية أن له أثراً في تخفيف الإصابة بعد توفيق الله- عزّ وجلّ-، بنسبة عالية.
ومما يعين على الوقاية من الحوادث- بإذن الله- احتساب الأجر في حسن القيادة، وإعطاء الطريق حقه، والالتزام بآداب الشرع التي حث عليها.
حفظك الله، وردك سالماً غانماً إلى أهلك وذويك.